عشرات الاعتقالات في لبنان: السلطة تقود ثورتها المضادة..

0 21

 

تتوالى التوقيفات والاستدعاءات بين أوساط الناشطين والناشطات في مجموعات 17 تشرين. موجة جديدة من القمع
الأمني، تكبر ككرة ثلج، مصطحبة بحملات سياسية وإعلامية تقودها أحزاب السلطة، لإحباط كل ما تمثّله هذه الثورة للبنانيين.

موجة اعتقالات واعتداءات بدأت الأسبوع الماضي مع ميشال شمعون وباسكال طرّاف وتستكمل اليوم مع توقيف 16 ناشطاً في البقاع، من بلدتي قب إلياس ومكسة. إضافة إلى توقيف ناشط آخر في المنية شمالاً، واستدعاء طلاب من الجامعة اللبنانية إلى مكتب مكافحة الجرائم المعلوماتية. موجة الثورة المضادة بدأت ميدانياً لإنهاء حالة الاعتراض على السلطة ومن فيها. سبق أن أقلعت الثورة المضادة سياسياً من خلال الحكومة وقراراتها وتعييناتها، ثم إعلامياً وإلكترونياً من خلال الحملات الموجّهة على المعارضين ومطالبهم. واليوم حان موعد تطبيق القانون على المعترضين غير المحازبين، غير المغطّين سياسياً، الذين لا مرجع حزبي لهم ولا سند.

الثورة المضادة
المطلوب تأديب كل من لا يزال يحمل خطاباً معارضاً، ويجاهر في عدم ولائه للمنظومة الحاكمة ويصرخ بوجه الانهيار المالي والاقتصادي الحاصل والمسؤولين عنه. تأديب فعلي، على الأرض، يلحق بذاك التأديب الذي تحمل السلطة قاموسه لمنع استخدام الشتائم والتعرّض للرؤساء والمسؤولين، متحصّنين بمواد قانونية حيناً وبالأخلاق ومعاييرها حيناً آخر. موجة من الثورة المضادة بتيارات متنوعة، بين الاعتقال والاستدعاء والتخويف والترهيب ومنع الشتم، هدفها إعادة اللبنانيين إلى حظيرة ما قبل 17 تشرين، لا بل أسوأ.

منظومة بوليسية
في لبنان أصبح المشهد على الشكل التالي: سلطة أوصلت البلد إلى انهيار تام في الاقتصاد والمال، ممنوع الاعتراض عليها في الشارع، ولا في تعليقات الفضاء الإلكتروني، ولا في الشتم. حصار أمني وقضائي وسياسي تام، ينعش ذاكرة المعارضين أيام منظومة الحكم الأمني في عهد الوصاية السورية وضباطها، وزملاء لهم في السلك العسكري اللبناني. ولو أنّ في ما يحصل الآن لا تنظيمات ولا أحزاب ولا مؤسسات معارضة، إنما مجموعات من المواطنين، والبشر، التي تتحرّك للمطالبة بدولاراتها وخفض الأسعار ووضع خطة اقتصادية. حتى شعار محاسبة الفاسدين وناهبي المال العام تراجع درجات إلى الوراء. صار الهمّ سعر صرف الدولار أو سعر السلع الأساسية والمواد الغذائية. وبدل الاعتصام احتجاجاً على انقطاع الكهرباء أو التوقيفات، بات الجمهور يقف على أبواب محال الصيرفة بانتظار 200 دولار. فتتفنّن السلطة البوليسية في اللعب على أولويات اللبنانيين وتحطيم مطالبهم في مشروع كسرهم من جديد.

توقيفات البقاع
في البقاع، أوقفت القوى الأمنية حتى الساعة 16 ناشطاً. 11 من هؤلاء متّهمين بأعمال شغب وتخريب وتحطيم محال تجارية ليلتي الخميس 11 والجمعة 12 حزيران الجاري، بحسب البيان الصادر عن شعبة العلاقات العامة في المديرية العامة لقوى الأمن الداخلي. ثمة 5 موقوفين من بين الـ16 موقوفاً غير معروف سبب توقيفهم. وتؤكد أجواء الناشطين في البقاع لـ”المدن” إنّ ثمة 5 أسماء أخرى تعمل القوى الأمنية على ملاحقتها، ليكون عدد الأشخاص المطلوب توقيفهم 21. أما الموقوفين الـ16، فهم: ع. أبو ديب، أ. الميس، م. مرعي، ر. مرعي، ع. أ. بو عساف، ع. الشامي، ع. الهيبي، ع. درويش، ع. أ. القهوجي، ع.ر. البقاعي، ع. البقاعي، ع. المعدراني، ع. الميس، م. مرعي، ع. ه. سلّوم، و. البارودي. وغيرهم من ينتظر، في البقاع وغيرها من المناطق.

جنحة التخريب
وفي هذا الإطار يقول الناشط الحقوقي وعضو لجنة الدفاع عن المتظاهرين، أيمن رعد، لـ”المدن” إنّ هذه التوقيفات “جاءت على خلفية عمليات تخريب حصلت، ويبدو أنّ القوى الأمنية مستمرة بملاحقة 3 شبان آخرين من أجل توقيفهم وإقفال الملف”. ويؤكد رعد أنّ الموقوفين لم يتعرّضوا للضرب أو الأذى “بل ووجهوا بأدلة الصور والفيديوهات يثبّت مشاركتهم في الاعتداء على الأملاك في وسط بيروت، والتهمة هي التخريب”. ومن المفترض أن تكون هذه التهمة بحسب المواد القانونية جنحة وليس جناية، الأمر الذي يخفّف من وطأة أي حكم قضائي قد يصدر بحق الموقوفين.

تساؤلات عدّة
اعتمدت القوى الأمنية على دليل الصور والفيديوهات، وهي دليل قاطع بالمناسبة، لتثبيت التهمة على هؤلاء الموقوفين. لذا يمكن السؤال، بشكل قاطع أيضاً، عن غياب اللجوء إلى هذا النوع من الدلائل في عمليات اعتداءات أخرى حصلت في وسط بيروت وغيرها من المناطق. أكان للاعتداء على الأملاك العامة أو الخاصة أو حتى على المتظاهرين المعارضين. لكنّ لا القوى الأمنية و لا القضاء لجآ إلى أي من هذه الأدلة، التي سبق وانتشرت على جميع وسائل التواصل الاجتماعي، لتوقيف أفراد أو مجموعات نفذت جنح وجنايات قتل تصل إلى محاولة القتل. ومن بين التساؤلات أيضاً، أنه تمّ توقيف شقيق أحد المطلوبين لحين تسليم الأخير نفسه، إلا أنّ القوى الأمنية لم تطلق سراح الأخ بعد مبادرة أخيه الأكبر إلى تسليم نفسه. فأبقت الاثنين قيد التوقيف، كأننا في لبنان أيام السلطة العثمانية أو في جنوبي لبنان المحتلّ. مع تأكيد أقارب عدد من الموقوفين أنّ أبناءهم لم يشاركوا في أعمال الشغب ليل 11-12 حزيران، إلا أنه تم توقيفهم.

توقيفات أخرى
بين سرايا زحلة ومقرّ المديرية العامة لقوى الأمن الداخلي في بيروت، تم تحويل الموقوفين بانتظار ختم التحقيقات وانتظار الإشارات القضائية اللازمة. وبينما كانت العين على البقاع، استدعى مكتب مكافحة الجرائم المعلوماتية اليوم طالبين من الجامعة اللبنانية أدارا صفحة على تطبيق “إنستغرام” خاصة بطلّاب “اللبنانية”، بدعوى مقدمة من إدارة الجامعة. والسبب اتهام الإدارة بالفساد. وسجّل أيضاً توقيف الناشط م. شاكر في المنية، واستمرار توقيف آخرين نتيجة الأحداث التي حصلت في طرابلس الأسبوع الماضي.

التوقيفات والاستدعاءات تتوسّع رقعتها في مختلف المناطق اللبنانية. والأكيد أنّ هؤلاء لن يتركوا وحدهم في يد السلطة السياسية. على الأقلّ هذا ما يطالبون به، ألا يدفعوا ثمن ثورة اللبنانيين وانتفاضتهم من أجل حقوقهم. لذا، تشهد المناطق اعتصامات ووقفات احتجاجية للمطالبة بإطلاق سراحهم. فالثورة المضادة، بموجتها هذه، تحاول عزل الناس وإعادتهم أفراداً كل إلى غرفته.

مصدر almodon