اكتشاف أثري بلبنان: الفينيقيون نشروا ثقافة الخمر بالمتوسط والعالم

0 24
نشرت “ناشيونال جيوغرافيك” تقريراً بعنوان “اكتشاف معصرة نبيذ تعود إلى 2600 قبل الميلاد في لبنان” تطرّقت خلاله إلى صناعة النبيذ عند الفينيقيين القدماء. هنا ترجمة له:

اكتشف علماء الآثار أدلة جديدة على التجارة الواسعة النطاق في النبيذ من قبل الفينيقيين. إذ تمّ اكتشاف أقدم معصرة للنبيذ في لبنان. ويلقي الاكتشاف الضوء على صناعة النبيذ لدى الفينيقيين، التجار البحريين الذين قدّموا ثقافة شرب النبيذ في جميع أنحاء البحر الأبيض المتوسط ​​القديم، والذين يستمرّ تأثيرهم في شعبية المشروبات في جميع أنحاء العالم.

المستوطنة وحوضها
كشفت الحفريات في براك التل، التي تقع على بعد 10 كيلومترات جنوبي صيدا، عن بقايا محفوظة جيداً لمعصرة نبيذ، كانت تستخدم على الأقل منذ القرن السابع قبل الميلاد. وتعدّ هذه المعصرة، أقدم معصرة نبيذ وجدت على أراضي الفينيقيين، التي تتوافق تقريباً مع جغرافيا لبنان الحديث. وتمت الإضاءة على الاكتشاف في تقرير نشرته يوم الإثنين الماضي مجلة Antiquity.

في محيط موقع الاكتشاف، يظهر جلياً عدد كبير من بذور العنب التي تمّ إحضارها من كروم قريبة، لعصرها بدوس القدمين في حوض كبير من الجص المتين، يمكن أن يحتوي على ما يقدّر بـ1200 غالون من العصير.

ويتم جمع المواد المعصورة في وعاء كبير، ومن ثم تخزينها في أوانٍ فخارية مميزة تعرف باسم “أمفورة”، تساهم في عملية التخمير والتعتيق والنقل. في عملية التنقيب تم اكتشاف المعصرة وأربعة منازل من الطوب في براك التل، تشكل جميعها مستوطنة فينيقية مأهولة بين القرنين الثامن والسادس قبل الميلاد. ويعتقد الباحثون أنّ هذه المستوطنة كانت مخصصة لصناعة النبيذ والتجارة به.

شهرة وتجارة
وتقول عالمة الآثار في الجامعة الأميركية في بيروت، ومديرة مشروع “براك التل الأثري”، هيلين صادر، إنّ “النبيذ كان عنصراً تجارياً مهماً للفينيقيين”. وتضيف أنّ النبيذ الفينيقي المنتج في منطقة صيدا كان مشهوراً بشكل خاص في مصر القديمة. كما تمّ التطرّق إليه في كتابات تعود إلى مصر القديمة.

وحتى الآن، تم العثور على دلائل قليلة على صناعة الفينيقيين للنبيذ في لبنان، على الأغلب بسبب عشوائية الحفر الأثري. وتشير صادر إلى أنه “لم يتم إجراء مسح ساحل لبنان بشكل كامل وشامل قط. ولم يتم حفر سوى عدد قليل جداً من المواقع التي تحتوي على بقايا من العصر الحديدي (الفينيقي)”. ومع ذلك، فقد تم العثور على بعض مواقع صناعة النبيذ المماثلة على الساحل الشمالي لفلسطين المحتلة. وكانت المنطقة في ذلك الوقت جزءاً من المملكتين الفينيقيّتين في صور وصيدا.

على أي حال، لم “يخترع” الفينيقيون النبيذ. إذ تم العثور على دلائل مماثلة تعود إلى حوالى 8000 سنة في دول مثل جورجيا، إلا أنّ الفينيقيين هم الذين نشروا صناعة النبيذ في جميع أنحاء البحر الأبيض المتوسط القديم، ومعه نشروا أيضاً زيت الزيتون، وابتكارات أخرى مثل الأبجدية والزجاج.

نشر ثقافة الخمر
أدخل البحّارة الفينيقيون القدماء مزارع الكروم ومصانع النبيذ إلى مدن في شمال أفريقيا وصقلية وفرنسا وإسبانيا. وجعلوا منها بضائع شائعة، من خلال التجارة مع اليونان القديمة وإيطاليا، حيث كان النبيذ معروفاً في ذلك الوقت، لكن ليس بهذه الدرجة العالية من التطور، حسب ما يقول عالم الآثار في جامعة تورونتو ستيفن باتيوك، الذي يشارك في عملية الأبحاث والتنقيب. ويقول الأخير إنه “ربما قدّم الفينيقيون ثقافة شرب الخمر، وأنماطاً جديدة فيها مثل أواني الشرب”.

وامتدّ حب الفينيقيين للنبيذ إلى معتقداتهم الدينية، حتى أن استخدام النبيذ امتد إلى ديانات الشرق الأدنى أيضاً. ويوضح عالم الآثار في جامعة بنسلفانيا، باتريك ماكغوفرن، وهو خبير في الصناعة القديمة للنبيذ، أن الفينيقيين ينحدرون من الكنعانيين. وهم شعب من العصر البرونزي كانوا أيضاً أسلاف بني إسرائيل(!). ويضيف أنّ “النبيذ كان المشروب الرئيسي للتضحية لدى الفينيقيين”، وكان هذا يحصل بالفعل عند الكنعانيين أيضاً. وقد انتقل بعدها إلى اليهودية والمسيحية”.

ويعتقد ماكغوفرن أنّ براك التل زوّدت سفينتين فينيقيّتين بمئات أمفورات (قوارير) النبيذ، ويعود تاريخهما إلى العصر ذاته تقريباً، وحطامهما موجودان قبالة عسقلان في فلسطين المحتلة. ويقول العالم نفسه أنه “قمنا بتحليل العديد من الأمفورات وكانت تحوي نبيذاً، وربما كانت السفينتان آتيتين من هناك”.

يُذكر أن مشروع “براك التل الأثري”، هو جهد مشترك بين الجامعة الأميركية في بيروت وعلماء آثار في ألمانيا، باشروا دراسة الموقع عام 2001. وتوقفت الأعمال في براك التل منذ عامين، بسبب صعوبات مالية واقتصادية، حسب ما تقول صادر.